مجموعة مؤلفين

330

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

أما إذا كان في مقام الهيبة كثر أكله ! ، ولا كذلك السالكون فكثرة الأكل لهم دليل على بعدهم من اللّه تعالى ، واستيلاء النفس الشهوانية البهيمية بسلطانها عليهم ، وقلة الأكل لهم دليل على نفحات الجود الإلهى على قلوبهم ، فيشغلهم ذلك عن تدبير جسومهم ، وعن الجوع بكل حال . وعلى الجملة فإن الجوع سبب داع للسالكين والمحققين إلى نيل عظيم الأحوال والأسرار ، وهو يورث النشاط للطاعة ويذهب الكسل « 1 » . ولكن ابن عربى يحذر من الإفراط في الجوع ، لأن السالك أو المحقق « إذا أفرط ( في الجوع ) أدى ( ذلك ) إلى الهوس وذهاب العقل وإفساد المزاج « 2 » » لذلك « فلا سبيل للسالك أن يجوع الجوع المطلوب بنيل الأحوال إلا عن أمر شيخ ، فأما وحده فلا سبيل له » « 3 » . أما إذا كان السالك يسلك وحده فعليه التقليل من الطعام ، أو استدامة الصيام ، ولزوم أكله واحدة بين الليل والنهار ، والابتعاد عن أكل الإدام الدسم ، وعليه أن يتأدم مرتين فقط في الأسبوع حتى يجد شيخا يدبر حاله وأمره إذ الشيخ أعرف بمصالحه منه « 4 » . ويشير ابن عربى على السالك - إذا كان متسببا بحرفة - أن يجتهد في أن يعمل في يوم ما يتقوت به في أيام ، وألا يأكل إلا عن حاجة « 5 » . والرياضة الرابعة في طريقة ابن عربى هي رياضة السهر ، « والسهر نتيجة الجوع ، فإن المعدة إذا لم يكن فيها طعام ذهب النوم « 6 » » . ويقسم ابن عربى السهر إلى قسمين : سهر العين وسهر القلب ، فسهر

--> ( 1 ) رسالة كنه ما لا بد منه للمريد ، ص 43 . ( 2 ) النور المظهر ، ص 9 . ( 3 ) النور المظهر ، ص 9 . ( 4 ) النور المظهر ، ص 9 . ( 5 ) كنه ما لا بد منه للمريد ، ص 44 . ( 6 ) النور المظهر ، ص 9 .